أحمد مصطفى المراغي

23

تفسير المراغي

يسرق بنيامين فقد سرق أخوه يوسف من قبل ، فالسرقة جاءت وراثة من أمهما إذ هما لا ينفردان منا إلا بها . وفي قولهم هذا إيماء إلى أن الحسد لا يزال كامنا في قلوبهم ، لاختلاف الأمهات ، ولمزيد محبة الأب لهما . وأصح ما قيل في سرقة يوسف ما رواه ابن مردويه عن ابن عباس مرفوعا قال : سرق يوسف عليه السلام صنما لجده أبى أمه من ذهب وفضة فكسره وألقاه في الطريق فعيره بذلك إخوته . و أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد قال : كان أول ما دخل على يوسف عليه السلام من البلاء فيما بلغني أن عمته وكانت أكبر ولد إسحاق عليه السلام وكانت إليها منطقة إسحاق إذ كانوا يتوارثونها بالكبر ، وكان يعقوب حين ولد له يوسف عليه السلام قد حضنته عمته فكان معها ، فلم يحب أحد شيئا من الأشياء كحبها إياه حتى إذا ترعرع ووقعت نفس يعقوب عليه السلام عليه فأتاها فقال يا أخية سلمى إلىّ يوسف ، فو اللّه ما أقدر على أن يغيب عنى ساعة قالت : فو اللّه ما أنا بتاركته فدعه عندي أياما انظر إليه ، لعل ذلك يسلينى عنه ، فلما خرج يعقوب من عندها عمدت إلى منطقة إسحاق عليه السلام فحزمتها على يوسف عليه السلام من تحت ثيابه ، ثم قالت فقدت منطقة إسحاق فانظروا من أخذها ومن أصابها ؟ فالتمست ثم قالت : اكشفوا أهل البيت فكشفوهم فوجدوها مع يوسف عليه السلام ، فقالت واللّه إنه لسلم لي أصنع فيه ما شئت ، فأتاها يعقوب فأخبرته الخبر فقال لها : أنت وذاك إن كان فعل فهو سلم لك ما أستطيع غير ذلك ، فأمسكته فما قدر عليه حتى ماتت . وهذا هو الذي عناه إخوته بقولهم ( إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ ) وهذه الروايات لا يوثق بها كما لا يدل شيء منها على سرقة حقيقية . ( فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ ) أي فأضمر مقالتهم في نفسه ولم يجبهم عنها . ( وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ ) أي ولم يؤاخذهم بها لا قولا ولا فعلا صفحا عنهم وحلما .